(CNN) — عُثر على متحجّرة يعود تاريخها إلى 120 مليون عام في منطقة تقع راهنًا شمال غربي الصين، الأمر الذي دفع العلماء إلى إعادة النظر في فهمهم لمجموعة غير مألوفة من الديناصورات المفترسة تُعرف باسم “الميكرورابتور”.

ويُوسّع الموقع الذي اكتُشفت فيه المتحجّرة النطاق الجغرافي المعروف لهذا القريب الأصغر حجمًا من ديناصور “فيلوسيرابتور” ذي المخلب المنجلي والقادر على الانزلاق في الهواء. كما تمثّل العظام أحدث عيّنة مؤكدة من الميكرورابتور في السجل الأحفوري، ما يُطيل الفترة الزمنية المعروفة لوجود هذه الديناصورات المكسوّة بالريش.

وأظهر تحليل جديد لعظام الكتف والطرف الأمامي المحفوظة بحالة جيدة، التي ورد ذكرها أول مرّة في ملخّص دراسة عام 2010، أنّ المتحجّرة تعود إلى نوع غير معروف سابقًا من الميكرورابتور. وأطلق فريق البحث على الديناصور اسم غيان تشانغماينسيس(Jian changmaensis)، وفقًا للدراسة التي نُشرت في مجلة Annals of Carnegie Museum، الخميس.

ويشير اسم “غيان” إلى طائر ذي جناح واحد في الأساطير الصينية، في إشارة إلى السمات الشبيهة بالطيور التي تُميّز هذا الديناصور. أما اسم النوع فيُكرّم حوض تشانغما بمقاطعة غانسو، حيث اكتُشفت المتحجّرة. 

وتُعد هذه العينة إلى الآن، الوحيدة المؤكدة من الميكرورابتور الذي عُثر عليه خارج شمال شرقي الصين.

وقال الدكتور مات لامانا، المشارك في إعداد الدراسة وكبير باحثي الديناصورات وأمين علم حفريات الفقاريات في متحف كارنيغي للتاريخ الطبيعي بمدينة بيتسبرغ: “يكشف لنا غيان تشانغماينسيس أنّ ديناصورات غير طيرية عاشت في المنطقة التي تُعرف اليوم بحوض تشانغما، الذي يشتهر بأحفوريات الطيور”.

وأضاف: “استعاد فريقنا أكثر من مئة متحجرة لطيور في تشانغما، لكن هذه هي العينة الوحيدة لديناصور غير طيري. ويوفر غيان معلومات جديدة مهمة حول التاريخ الحيوي لمنطقة تشانغما والسياق البيئي لأسلاف طيور اليوم”.

ويرى لامانا أنّ المتحجّرة المحفوظة جيدًا قد تساعد الباحثين على فهم أفضل لكيفية استخدام الميكرورابتور أجنحته للتنقل بين الأشجار، ما قد يقدم أدلة جديدة حول أصول الطيران لدى الطيور.

مفترس قادر على الانزلاق

للوهلة الأولى، تبدو الرسوم العلمية التي تُعيد تصور شكل الميكرورابتور أقرب لطائر.

وقال لامانا لـCNN: “إذا رأيت هذا الكائن جالسًا على شجرة، فلن يخطر ببالك ديناصور فيلوسيرابتور من فيلم (Jurassic Park). إنه ديناصور شديد الشبه بالطيور ويتمتّع بالقدرة على التحليق في الهواء إلى حد ما”.

كائن منزلق
لا تتألّف متحجّرة الميكرورابتور سوى من عدد قليل من العظام، لكنها ما زالت محفوظة في صورة ثلاثية البعد.Credit: Hailu You

غطّى الريش جسم الميكرورابتور بالكامل، وربما امتلك ريشًا أكثر من الطيور الحديثة، إذ لم تقتصر ريَشه الطويلة على ذراعيه أو “جناحيه”، بل امتدت أيضًا إلى ساقيه الخلفيّتين، ما منحه مظهرًا يوحي بامتلاكه أربعة أجنحة.

وقال لامانا: “دفع ذلك كثيرًا من علماء الحفريات إلى الاعتقاد بأن هذه الكائنات كانت تقضي بعض الوقت على الأرض، لكنها كانت على الأرجح قادرة على تسلّق الأشجار والانزلاق من شجرة إلى أخرى، بطريقة تشبه إلى حد كبير السنجاب الطائر الحديث”.

وكانت أصغر أنواع الميكرورابتور بحجم الغربان الحديثة تقريبًا، في حين يُرجّح أن “غيان تشانغماينسيس” كان بحجم بومة الحظائر. وتشير أحافير أخرى قد تنتمي إلى مجموعة الميكرورابتور إلى أن بعض هذه الكائنات ربما بلغ أحجامًا أكبر، ما يوحي بأن “غيان تشانغماينسيس” كان متوسّط الحجم ضمن هذه المجموعة.

ولم يكن الفيلوسيرابتور والميكرورابتور من الطيور، لكنهما يرتبطان ارتباطًا وثيقًا بأسلاف أقدم الطيور المعروفة، مثل الأركيوبتركس. وقال لامانا إنّ الخط الفاصل بين الديناصورات والطيور المبكرة يصبح أكثر ضبابية مع كل اكتشاف جديد، خصوصًا مع العثور على أحافير تحمل سمات تجمع بين الديناصورات والطيور.

ولا تزال الطيور الحديثة، الأقارب الأحياء الأقرب للديناصورات التي انقرضت قبل نحو 66 مليون عام بعدما اصطدم كويكب ضخم بالأرض.

وقال لامانا: “جميعها تُعد ديناصورات من منظور تطوري، لكن الأمر يعتمد حقًا على أي جانب من الأركيوبتركس تنتمي إليه”.

كان الدليل الحاسم بأن الجناح يعود إلى ميكرورابتور وليس إلى طائر قديم بالنسبة إلى متحجرة “غيان تشانغماينسيس”، سمة مميزة في عظم الغرابي، أحد مكونات بنية الكتف الذي يحتوي على فتحة كبيرة تُعرف باسم “النافذة فوق الغرابية”، تكاد تفصل العظم إلى قسمين. 

وأوضح لامانا أن هذه السمة موجودة لدى جميع أنواع الميكرورابتور تقريبًا، ونادرة جدًا لدى الكائنات الأخرى.

ولا يزال الغرض من هذه الفتحة موضع تساؤل بين الباحثين، لكن لامانا يرجّح أنها مرتبطة بالطيران. فمثل الطيور الحديثة، امتلكت أنواع الميكرورابتور عظام كتف طويلة، بينما يتميز “غيان تشانغماينسيس” بعظم كتف طويل بشكل استثنائي.

وقال: “قد يكون لذلك علاقة بالانزلاق في الهواء، أو بالتغيرات التي طرأت على بنية الكتف لدى الحيوانات القريبة من سلالة الطيور لتصبح أكثر ملاءمة للطيران”.

متحجرة نادرة في حوض تشانغما

كائن منزلق
يقع حوض تشانغما، الذي كان في الماضي موقعًا لبحيرة قديمة، في مقاطعة غانسو شمال غربي الصين.Credit: Matt Lamanna

يواصل الباحثون التكهن بالأسباب التي دفعت أقارب الفيلوسيرابتور الأصغر إلى تطوير أجنحة والتكيّف مع العيش على الأشجار، لكن لامانا يرجّح أن هناك فراغًا بيئيًا في قمم الأشجار استغلته هذه الكائنات المفترسة.

وكانت أقارب الميكرورابتور الأخرى تعيش على الأرض، لكن الانتقال إلى العيش في مظلة الغابات والانزلاق بين الأشجار ربما وفّر لها وسيلة أكثر أمانًا للابتعاد عن الديناصورات اللاحمة الأكبر حجمًا.

وقال لامانا: “ربما كانت كائنات أرضية، ثم  بدأت التسلّق، ومع وجودها على الأشجار تطوّرت لديها سمات تساعدها على البقاء فوق”.

أما عما كان يتغذى عليه “غيان تشانغماينسيس”، فبفضل بيئته الشجرية، يُرجّح أن الطيور كانت ضمن قائمة فرائسه.

سابقًا، عُثر على متحجرة ميكرورابتور احتوت داخل القفص الصدري على عظام طائر، فيما أشارت جيغماي أوكونور، إحدى المشاركات في الدراسة وعالمة حفريات الفقاريات ومساعدة أمين الزواحف الأحفورية في متحف فيلد بشيكاغو، إلى أن كتلًا من العظام عُثر عليها في حوض تشانغما تشبه كُرات الطعام التي تقذفها البوم بعد التغذي على فرائسها.

وقد يكون “غيان” قد تَغذّى أيضًا على طائر “غانسوس يومننسيس”، أحد أوائل الطيور المعروفة من عصر الديناصورات في الصين، الذي اكتُشف لأول مرة عام 1981، في حوض تشانغما.

ويعمل لامانا وفريقه على دراسة حوض تشانغما منذ العام 2004، حيث تمكنوا من استعادة هياكل عظمية كاملة، بعضها يحتوي على ريش وجلد، ما يشير إلى أن “غانسوس” كان يمتلك أقدامًا مفلطحة وربما أمضى جزءًا من وقته في الماء.

ومع اكتشاف “غيان”، أصبح الباحثون يعرفون أخيرًا من كان على الأرجح يتغذّى على “غانسوس” والطيور القديمة الأخرى في الموقع، وفق لامانا. لكن يبقى السؤال: لماذا لم يُعثر إلا على متحجّرة واحدة فقط من الميكرورابتور في هذا الموقع؟

وأشار لامانا إلى أنه “لو عدتَ بالزمن إلى 120 مليون عام، لوجدت نفسك على ضفة بحيرة واسعة تحيط بها النباتات. ومن المنطقي أنه إذا كنت تبحث في داخل بحيرة، فستجد الكائنات التي تعيش فيها أكثر مما ستجد الكائنات التي تعيش على أطرافها”.

وغالبًا ما يُعثر على أحافير الطيور والميكرورابتور مكسورة ومسطحة ببعد ثنائي، ما يجعل دراسة عظامها وقدرتها على الطيران أكثر صعوبة. لكن جناح “غيان” حُفظ بشكل ثلاثي البعد، ما يمنح العلماء فرصة نادرة لفهم بنيته بدقة أكبر.

كائن منزلق
يعمل الباحثون في محجر داخل حوض تشانغما.Credit: Jingmai O’Connor

وفي خطوة لاحقة، قال لامانا إنه وزملاءه مهتمون بمسح الجناح ضوئيًا لمعرفة ما يمكن أن يكشفه حول قدرات الطيران أو الانزلاق لدى هذه الديناصورات.