Site icon The Syrian Observer-المراقب السوري

سوريا اليوم: واقع جديد بين الاتهامات المعلّبة وتحديات المستقبل

سوريا اليوم: واقع جديد بين الاتهامات المعلّبة وتحديات المستقبل

بقلم: باسل الياسين

بغض النظر عن المواقف السياسية المتباينة تجاه الحكومة السورية الجديدة ورئيسها أحمد الشرع — سواء أكان يُنظر إليه من زاوية إسلامية، جهادية، أو حتى يُتهم بالإرهاب — فإن غالبية هذه الاتهامات لا تستند إلى أدلة قانونية موثوقة أو وثائق قضائية، بل تُبنى على تقارير صحفية وتحليلات مستندة إلى ماضٍ ضبابي في العراق لم يقدّم أحد من سلطات بغداد حتى اليوم دليلاً مرئياً واحداً يثبت تورطه.

في المقابل، يتضح أن هذا الرفض القاطع لبعض الأطراف ليس مبنياً على وقائع، بل على رفض أيديولوجي لفكرة حكم الأغلبية السنية في سوريا، وهي ذاتها التي كانت لعقود تُستثنى من السلطة الحقيقية تحت مظلة حكم الأقليات — من نظام الأسد البائد إلى سلطة “قسد” المفروضة في الشرق السوري.

الفشل المتكرر لحكم الأقليات

عند مراجعة التجربة التاريخية لحكم الأقليات في سوريا، يتبين بوضوح فشل هذا النموذج في تحقيق أي شكل من أشكال التنمية السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية.
فمنذ بداية حكم الأسد الأب، مروراً بابنه، وصولاً إلى سلطة “قسد”، بقيت سوريا تحت وطأة القمع، غارقة في الفساد والانهيار الاقتصادي، دون أي ملامح واضحة لمشروع وطني حقيقي.

وإذا أردنا عقد مقارنة مع تجارب دول المنطقة — خصوصاً دول الخليج ومصر — فإن الفجوة التنموية تبدو صارخة: نهضة بنيوية، عمرانية، سياسية واقتصادية هناك، في مقابل بلد ممزق هنا.

حكومة الشرع: دعم إقليمي ودولي متصاعد

الحكومة السورية الجديدة، برئاسة أحمد الشرع، تحظى بدعم متزايد من المحيط العربي، وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، فضلاً عن إشارات إيجابية من الولايات المتحدة وقوى دولية أخرى.
هذا الدعم لا يمكن اختزاله بصفقات ظرفية؛ بل يبدو أنه نتيجة تنسيق سياسي بدأ منذ سنوات، تجلّى بوضوح بعد انهيار نظام الأسد.

في المقابل، فإن أي محاولة لإسقاط هذه الحكومة من خلال تحالفات عسكرية أو مؤامرات خارجية، ستكون بمثابة قفزة في المجهول، وستنتج عنها تداعيات كارثية:

أولاً: الأغلبية السنية لن تقبل بانقلاب على إرادتها

أغلب المكوّن السني، الذي وجد أخيراً بارقة أمل في تمثيل حقيقي، سيعتبر أي إسقاط قسري للحكومة الجديدة اعتداءً مباشراً عليه، ما سيؤدي إلى اضطرابات عنيفة وتفكك للنسيج الوطني.
وعندها، علينا أن ننسى تماماً مفردة “الاستقرار”.

ثانياً: سيناريوهات التقسيم

في حال فُرض الانقسام، فإن الكيانات الناتجة ستكون قنابل موقوتة:

الجنوب الدرزي سيتحول إلى منطقة عازلة بين إسرائيل وسوريا، في مشهد لا يضمن له لا كرامة ولا اقتصاداً. ويكفي الاستماع إلى تصريحات محللين إسرائيليين مثل إيدي كوهين، الذين وصفوا الدروز بـ”كلاب الحراسة”.

منطقة الساحل قد تتحول إلى لبنان جديد، محكوم بالمحاصصة الطائفية وصراعات أزلام النظام السابق، أصحاب المال والسلاح.

الشرق السوري الخاضع لـ”قسد” يمثل نموذجاً لفشل الحكم المحلي المدعوم خارجياً. فرغم استحواذه على النفط والمعابر وموارد تُقدّر بـ6 ملايين دولار يومياً، لم تُبنَ مشافٍ، ولا مدارس، ولا حتى جسور — بل كانت الاستثمارات الكبرى في حفر الأنفاق وشراء الولاءات.( مقالات و تقارير )

والسؤال: هل يُعقل بعد كل هذا أن تكون “قوات سوريا الديمقراطية” ديمقراطية حقاً؟ وهي التي تطالب بإزالة كلمة “العربية” من اسم البلاد، رغم أن تجربة كردستان العراق نفسها تضم أكثر من 30% من القوميات الغير كردية كالعرب و التركمان! و عليه على ماذا يدل هذه النوع من السياسات المتناقضة التي توضح بشكل جلي الإتجاه العام.

ثالثاً: غياب البديل الإقليمي والدولي

حتى لو تحقق إسقاط الحكومة الحالية، من يضمن أن البديل سيحصل على ذات مستوى الدعم السياسي والاقتصادي الإقليمي والدولي؟

الواقع يُثبت أن الشرعية اليوم لم تعد تُفرض من البنادق وحدها، بل من خلال التفاهمات والتحالفات الدولية.
و هذا ما صرح به المبعوث ألمريكي تم باراك مرارا و تكرارا

دعوة للحل السياسي الوطني

ما نحتاجه ليس مشروع تقسيم، ولا عودة للحكم الطائفي، ولا سطوة للمليشيات، ولا وصاية خارجية… بل مشروع وطني سوري جامع، يضمن التمثيل الحقيقي للجميع من خلال الأدوات السياسية والدستورية، لا عبر فوهات البنادق.

لمن لديه رؤية وطنية حقيقية، فليطرح مرشحيه، ولينزل إلى صناديق الاقتراع، وليكن نِدًّا سياسيًا في البرلمان، لا مجرد أداة بيد أجندات خارجية لا ترى في السوري سوى وسيلة مؤقتة لمصالحها العابرة.

خاتمة:
سوريا اليوم تقف على مفترق طرق تاريخي. الخيار بين نهج وطني تشاركي جامع، أو مشروع تدميري جديد يُلبس ثوب “الحرية” وهو في جوهره تفكيكي.
فلنختر العقل، ولنجعل من هذه المرحلة فرصة لبناء سوريا الجديدة — سوريا لكل السوريين.

Exit mobile version