إماراتية تحوّل خيرات النخيل إلى آيس كريم خال من السكر الاصطناعي في أبوظبي
7 min قراءة

(CNN) — بحلول الوقت الذي يحل فيه الليل ويغادر آخر الزبائن متجرًا للمثلجات يقع خلف ميناء زايد في العاصمة الإماراتية أبوظبي، قد يبدو أن يوم العمل انتهى، لكن بالنسبة إلى أميرة الدوسري، فإن العمل فعليًا بدأ للتو.
تبدأ الدوسري نوبتها في المطبخ عند الساعة التاسعة مساءً، حيث تقضي ما يصل إلى ثلاث ساعات في التحضير، والخفق، والتذوق لـ12 خلطة أساسية مختلفة، قبل أن تتحول إلى دفعات مميزة من الآيس كريم الطري الفاخر.
بحلول الصباح، تكون اثنتا عشرة نكهة جاهزة للتقديم في متجر الدوسري “Ice Station”، ويحتوي العديد منها على مكونات تأتي من مصدر غير مألوف، أي نخلة التمر.
تُعد نخلة التمر رمزًا لدولة الإمارات، بينما التمر الذي ينمو بشكل عناقيد على الشجرة يُعتبر من أحد أهم الصادرات الزراعية للبلاد.
على مستوى العالم، أُنتج نحو 11 مليون طن متري من التمور في عام 2024. وتصدرت دول في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، مثل السعودية ومصر، قائمة المنتجين، فيما جاءت دولة الإمارات ضمن أكبر عشر دول إنتاجًا، وفقًا لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة.
لم تكن الدوسري، البالغة من العمر 53 عامًا، تخطط لإبراز التمر عندما أسست المتجر عام 2023. لكن ذلك تغير بعدما التحقت بدورات لتعلم صناعة الآيس كريم في أنحاء مختلفة من العالم، ولاحظت مدى اعتماد الكثير من الوصفات على الخلطات الجاهزة، والمواد الحافظة، والنكهات الاصطناعية. لكن أكثر ما أثار قلقها كان ارتفاع نسبة السكر.
وقالت لـ CNN: “كنت أفكر في ما قد يحمله المستقبل للأطفال الذين يتناولون الكثير من السكر وهم في سن صغيرة جدًا. كيف سيؤثر ذلك في أجسامهم؟”

دفعها ذلك إلى البدء في إجراء تجارب باستخدام “خلاص رطب”، وهي المرحلة الأكثر ليونة ونضجًا من تمر الخلاص. وألهمتها حلاوته الطبيعية لإعادة صياغة الوصفة الأصلية التي افتتحت بها متجر “Ice Station”، ولكن هذه المرة من دون إضافة أي سكر.
وتقر الدوسري بأن التمور تحتوي أيضًا على نسبة مرتفعة من السكر. لكنها، باعتبارها ثمرة كاملة، تحتوي على ألياف غذائية يمكن أن تبطئ امتصاص تلك السكريات، على عكس سكر القصب المكرر. وبالنسبة إليها، المهم هو أن تأتي الحلاوة بصورة طبيعية من الثمرة الداكنة واللحمية نفسها.
وقالت: “العنصر الأساسي في الآيس كريم الطري هو السكر. فهو ما يمنحه قوامه الكريمي”. وأضافت أن صنع آيس كريم طري من دون سكر مضاف شكّل تحديًا كبيرًا.
من الجذور إلى الجذع
بعد محاولات لا حصر لها وتعطل 15 آلة نتيجة تجاربها، نجحت الدوسري في ابتكار آيس كريم بنكهة الرطب. لكنها أدركت لاحقًا أن نخلة التمر بأكملها، من جذورها إلى جذعها، يمكن أن توفر مكونات لمنتجات الآيس كريم التي تصنعها، وهو ما ألهمها لابتكار 145 نكهة خلال السنوات الثلاث الماضية.
من بين هذه النكهات نسختها الخاصة من الماتشا، إذ بدلًا من استخدام مسحوق الشاي الأخضر الياباني، تستخدم الدوسري أوراق نخيل التمر، التي تقول إنها تمنح مذاقًا مشابهًا ولونًا أخضر زاهيًا. وتُعرف هذه النكهة باسم “سفحة”. ويأتي هذا البديل في توقيت لافت، إذ أدى تزايد الإقبال العالمي على الماتشا إلى ضغوط متنامية على الإمدادات اليابانية.
وقالت: “كل فرد في عائلتي يحب الماتشا! فقلت: حسنًا، لكن الماتشا يحتوي على الكافيين، فلنبحث عن شيء مشابه من دون كافيين”.
وساعدتها ابنتها غالية المزروعي، وهي مستشارة في مجال الاستدامة، على استخدام الكمية الكبيرة من النوى المتبقية بعد استعمال التمور، إذ قامتا بتحميصها وتحضير مشروب قهوة خالٍ من الكافيين. يُصب المشروب فوق الآيس كريم ويُقدّم باسم “أفوغاتو”، نسبة إلى الحلوى الإيطالية التي تتكون من الآيس كريم المغمور بقهوة الإسبريسو.
وأوضحت المزروعي: “نعلم أن النبتة بأكملها آمنة إلى حد كبير للاستهلاك، ولذلك كان الأمر يتعلق أكثر بكيفية تقديمها بطريقة ممتعة للجميع”.

كما وجدت الدوسري استخدامات في الطهي لحبوب لقاح النخيل، وابتكرت نكهة كاملة منها، مثل دبس التمر للمساعدة في تحلية الآيس كريم. واكتشفت أن أنواع التمور المختلفة يمكن أن تنتج مذاقات مختلفة، من بينها مذاق يشبه الموز.
لكن نخلة التمر ليست مصدر إلهامها الوحيد، فقد شهدت قائمة “Ice Station” على مرّ السنوات مجموعة متجددة من النكهات العالمية، بدءًا من الأناناس الكوستاريكي وصولًا إلى “أوبي”، وهو اليام الأرجواني الحلو الشهير في الفلبين. وابتكرت الدوسري نكهات مالحة أيضًا، منها السلمون المدخن مع الجبن الكريمي، والكافيار مع الفانيليا، وجبن البارميزان مع الكمأة البيضاء.
وقالت: “لدي الكثير من الأفكار”، حيث تعمل حاليًا على ابتكار نكهتها رقم 448.
تراث مُجمَّد
اعتبرت الدوسري أن المثلجات الغنية بالتمر تتجاوز مجرد ابتكار نكهات جديدة؛ فهي وسيلة لتحويل مكون تقليدي إلى عنصر ذي صلة بالثقافة المعاصرة والهوية الإقليمية.
وقالت: “جميع دول الخليج تشترك في التراث ذاته، أي النخيل”.
وازدهرت نخلة التمر بالظروف المناخية الجافة في منطقة الخليج، حيث شكّلت ثمارها مصدرًا للغذاء للمجتمعات على مدى قرون، وأصبحت رمزًا للضيافة والكرم. وفي عام 2019، أقرت منظمة اليونسكو بأهميتها من خلال إدراج نخلة التمر ضمن قائمتها للتراث الثقافي غير المادي.
تواصل الدوسري إحياء هذا التراث في صورة مجمّدة، إذ تعيد ابتكار حلويات إماراتية تقليدية مثل “الخبيصة”، وهي مزيج عطري من الدقيق المحمص، والسمن، والتوابل، و”الرهش”، وهي حلوى مصنوعة من السمسم.
وأشارت إلى أن هذه النكهات تحظى بإقبال كبير من السكان المحليين والسياح على حد سواء.

افتتحت الدوسري فرعًا ثانيًا لـ”Ice Station”، لكن إطلاق منتجاتها على المستوى الدولي أثبت أنه أمر صعب. ورغم أن “Ice Station” عرض نكهاته في فعاليات خارج دولة الإمارات، بما في ذلك في أوزبكستان ومصر، وتلقى استفسارات من أنحاء العالم بشأن منح حقوق الامتياز التجاري، فإن الدوسري تخشى أن يؤدي التوسع الكبير إلى المساس بالجودة.
وتواصل حاليًا صنع الآيس كريم الطري ضمن مهمة أوسع نطاقًا، أي تشجيع الناس على تناول مثلجات طبيعية بشكل أكبر، ووضع أبوظبي على الخريطة كوجهة للمثلجات الطرية الفاخرة، مع تذكير الزبائن في الوقت ذاته بالإرث الذي يتذوقونه.
وأضافت المزروعي أن “الطعام يُشبه إلى حد كبير لغة عالمية، حيث لا تحتاج إلى تفاهم كامل مع شخص ما لتتمكن من التواصل معه من خلال الطعام”.
Source: CNN Arabic RSS Feed




