السويداء بين التعقيد الأمني والتوظيف الخارجي: الواقع يستدعي نضجًا وطنيًا ومسؤولية جامعة
شهدت محافظة السويداء في الأيام الأخيرة تطورات أمنية خطيرة بدأت باشتباكات بين المجلس العسكري في السويداء، المدعوم من الشيخ حكمت الهجري، وبين عشائر البدو، نتيجة حوادث خطف متبادلة. أسفرت الاشتباكات عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين، ودفعت العديد من الأهالي لمطالبة الدولة السورية بالتدخل لوقف التصعيد وحماية المدنيين.
وبينما كانت الأنظار تتجه نحو احتواء الأزمة، صعّد المجلس العسكري الموقف بهجوم مباشر على مقار أمنية داخل المدينة، مما استدعى تدخلًا محدودًا من وحدات الجيش السوري لحماية المؤسسات العامة.
في تطور مفاجئ، تداولت مصادر تقارير تؤكد أن الشيخ حكمت الهجري طلب تدخلًا إسرائيليًا مباشرًا، أعقبه قصف إسرائيلي استهدف مقر الأركان السورية والقصر الجمهوري في دمشق. وبهدف تفادي اندلاع حرب إقليمية واسعة، تم التوصل إلى تفاهم دولي يقضي بانسحاب الجيش السوري من خطوط التماس، لإفساح المجال أمام تسوية محلية.
غير أن الفراغ الناتج عن غياب الجيش سمح بوقوع مجازر وعمليات تهجير قسري ضد عشائر البدو، نفذتها مجموعات تابعة للمجلس العسكري، ما أدى إلى تفجر الغضب العشائري جنوبًا، وصدور نداءات استغاثة من مختلف مكونات العشائر السورية، ولا تزال الاشتباكات مستمرة حتى اليوم.
في ظل هذا التصعيد، تبدو الدولة السورية حذرة في تدخلها الميداني المباشر، خشية الوقوع في فخ صدام مع إسرائيل أو خسائر بشرية في ظروف إقليمية شديدة الحساسية، بينما تتابع التطورات وتُبقي باب الحوار الوطني مفتوحًا.
حقيقة ما يجري: صراع على القرار المحلي وتوظيف لأجندات خارجية
ما يحدث في السويداء لا يُمكن اعتباره مجرد اضطراب محلي عابر، بل هو صراع حقيقي على من يمثل الجبل، ومن يتحدث باسمه. إذ نشهد اليوم:
اختطاف القرار المحلي من قِبل شخصيات دينية مثل الشيخ حكمت الهجري، تعمل على جرّ المحافظة نحو مشاريع سياسية خارجية، تتقاطع مع أجندات إسرائيلية وفدرالية مدعومة من قوى كردية، متجاوزة سيادة الدولة والدستور.
في المقابل، تظهر أصوات وطنية نزيهة ومحترمة من شيوخ ومثقفين ومجتمع مدني داخل السويداء، تؤكد على عمق العلاقة مع الدولة السورية، وعلى ضرورة ضبط النفس والحوار، كما عبّر عنه الشيخ يحيى الحناوي والشيخ جربوع وغيرهما.
المواقف الدولية وردود الفعل الرسمية
في ضوء خطورة التصعيد، صدرت ردود فعل رسمية من جهات دولية وإقليمية، أبرزها:
الولايات المتحدة:
أكدت أنها لا تدعم الضربات الإسرائيلية الأخيرة، وأعربت عن خشيتها من تصاعد التوتر، داعية إلى حوار شامل وانسحاب من طرفَي الصراع لتخفيف التصعيد.
إسرائيل:
أعلنت استمرار ضرباتها ضد ما وصفته بـ”التهديدات الإرهابية”، مشددة على سعيها لـ”حماية الطائفة الدرزية في الجنوب السوري”.
الاتحاد الأوروبي وتركيا:
أعربتا عن قلق عميق من تدهور الوضع الإنساني، وطالبتا بوقف فوري للاشتباكات واحترام وحدة وسلامة أراضي سوريا.
الأمم المتحدة (مفوضية اللاجئين ومكتب حقوق الإنسان):
حذرت من تعطّل عمليات الإغاثة، وأكدت مقتل أكثر من 250 شخصًا وتشريد آلاف العائلات، مع مطالبة بفتح ممرات إنسانية ومساءلة مرتكبي الانتهاكات.
مجلس الأمن الدولي:
عقد اجتماعًا طارئًا في 17 يوليو لمناقشة الأزمة، حيث دعا أعضاء المجلس إلى وقف الأعمال الوحشية ضد المدنيين، واحترام السيادة السورية، ومحاسبة الجناة.
مواقف عربية:
أدانت الجامعة العربية ومجلس التعاون الخليجي القصف الإسرائيلي واعتبراه “انتهاكًا صارخًا للسيادة السورية”. بينما رحبت دول عربية (السعودية، الإمارات، مصر، الأردن) بمبادرات وقف إطلاق النار، ودعت إلى حماية المدنيين وتعزيز الاستقرار.
الطريق إلى الخروج من الأزمة: نزع القداسة عن السياسة والانخراط في الدولة
ما يحدث في السويداء يُهدد ليس فقط أمن المحافظة بل وحدة سوريا بأكملها، ويستوجب وعيًا جماعيًا ونضجًا سياسيًا.
لذلك، ندعو النخب في السويداء إلى ما يلي:
إقصاء رجال الدين عن العمل السياسي، وفصل القداسة عن القرار العسكري والمدني.
التوجه للحكومة السورية بمطالب منطقية وعملية، تركز على الأمن والخدمات والعدالة، بعيدًا عن شعارات الفيدرالية والانفصال غير الواقعية.
الاندماج في مؤسسات الدولة والمشاركة السياسية الوطنية، لبناء وطن جامع قوي يضم جميع السوريين، من جبل العرب إلى سائر الجغرافيا السورية.
وفي الختام
إن مستقبل السويداء لا يُبنى على السلاح والفوضى، بل بالحكمة والانتماء، والعودة إلى حضن الدولة الوطنية. ولا يمكن لأي مشروع خارجي أو ديني مسيّس أن ينجح في تمثيل الجبل، إذا غابت عنه المشروعية الوطنية، والتفويض الشعبي الحقيقي، والالتزام بسيادة سوريا ووحدتها.
بقلم رئيس التحرير
الإعلامي سيف – منصة هنا سوريا




